
لا يحتاج المشهد في الفاشر، إلى كثير من الصور كي يختزن القارئ حجم المأساة، فكل ما تراه العين هناك يُنذر بالموت القادم أطفال هزيلة أجسادهم، بطون خاوية، وعيون غائرة تحمل سؤالًا واحدًا إلى متى؟
منذ أن أحكمت قوات الدعم السريع حصارها على المدينة في مايو 2024، تحولت الفاشر إلى جزيرة مقطوعة عن العالم، محرومة من الغذاء والدواء، ومحرومة حتى من الأمل. لم يدخل إليها برنامج غذاء، ولا عبرت إليها قافلة إغاثة، ولا سُمح بمرور أي دعم إنساني، فيما استمر القصف والتضييق الممنهج على سكانها.
أطلق برنامج الأغذية العالمي ناقوس الخطر، مؤكدًا أن المدينة تسير بخطى ثابتة نحو مجاعة محققة، بعد أن قفزت أسعار الذرة الرفيعة والقمح إلى أكثر من 460%، وأغلقت معظم المطابخ الخيرية “التكايا” أبوابها. في كل بيت بالفاشر، حكاية جوع، وصرخة ألم، وليل طويل بلا عشاء.
هذا المشهد لا يختلف في بشاعته عن مجاعة غزة، حيث يُستخدم الغذاء كسلاح، وتُحاصر المدن حتى تنهك قواها، الجوع هنا ليس قضاءً وقدرًا، بل سلاح متعمد بيد من يحاصرون المدينة، يفرضونه على أهلها عقابًا جماعيًا لا يفرق بين شيخ وطفل.
وكأن المجاعة لا تكفي، حتى هاجمت الكوليرا معسكرات النزوح، لتحصد خلال 24 ساعة فقط 49 روحًا جديدة، في بيئة أنهكها الحصار، وجعلها عاجزة عن الحصول على مياه نظيفة أو علاج بسيط. الوباء ينتشر بلا حواجز، فيما تكتفي المنظمات الدولية بإحصاء الأرقام وترديد بيانات القلق فمن المسؤول عن الجريمة؟
المسؤولية هنا واضحة كالشمس قوات الدعم السريع هي من تحاصر، وهي من تمنع الغذاء والدواء، وهي من تستخدم المدنيين دروعًا في معركة جوع وإذلال لكن، من يقف خلف هذه الميليشيات ويمدها بالقدرة على إدارة حصار طويل بهذا الحجم والتخطيط؟
التقارير الميدانية والتحليلات السياسية تشير بوضوح إلى أن هذه الميليشيات لم تكن لتستطيع تنفيذ حصار خانق بهذا التعقيد لولا دعم خارجي، وعلى رأسه الإمارات، التي وفّرت لها السلاح والتمويل والدعم اللوجستي، وحتى الخبرات التخطيطية التي تفوق إمكانات مجموعات قبلية مسلحة، فالدعم الإماراتي ليس جديدًا، بل هو امتداد لسياسات تدخل واضحة في النزاعات الإقليمية، حيث تُستخدم الميليشيات كأدوات حرب بالوكالة، بينما تُترك الشعوب تموت جوعًا ومرضًا.
اليوم، لا مكان للمراوغة أو الحياد الرمادي. الفاشر أمام موت جماعي، وملايين الأرواح في دارفور على شفا كارثة تاريخية لا يمكن رفع الحصار إلا بكسر شوكة هذه الميليشيات، ولا يمكن وقف المجاعة والكوليرا إلا بعودة الدولة وسيادة الجيش على كامل الإقليم.
الصمت الدولي لا يقل خطورة عن الجريمة نفسها، لكن التاريخ يسجل أن هناك لحظات حاسمة لا بد فيها من الانحياز إلى الحق الواضح واليوم الحق الواضح في السودان هو دعم الجيش الوطني لاستعادة الفاشر، وفتح الممرات الإنسانية، ووقف جريمة التجويع الممنهج التي تشبه، بل تضاهي، ما يجري في غزة من إبادة جماعية بطيئة.



